لعل المتتبعين لمسيرة المملكة العربية السعودية قد يتعجبون لهذه الطفرة الحضارية المذهلة التى تحققت لها خلال فترة زمنية قصيرة بالقياس الى الفترة الزمنية التى تحتاجها الأمم والشعوب لتحقيق النهضة الحضارية والرقى، ومن ثم يصبح ما حدث فى المملكة منذ أن وضع اللبنات الأولى لنهضتها الامام عبد العزيز بن عبد الرحمن ال سعود طيب الله ثراه واقتفى أبناؤه البررة من بعده نفس المنهج المعتمد على كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، يصبح ما حدث من تطور في كافة الأصعدة الاجتماعية والسياسية والثقافية أمرا أشبه بالمعجزة، ولعل احد أسباب ذلك هو حسن اختيار ولاة الأمر في هذه المملكة الحبيبة لموظفى الدولة من وزراء وولاة ومسئولين اداريين ومنهم الأمير محمد بن أحمد السديرى رحمه الله.
فمنذ شبابه المبكر اضطلع الأمير محمد بن أحمد السديرى بمسئوليات جسام تمثلت في توليه امارة الجوف وهو لما يبلغ الخامسة والعشرين من العمر، ولكنه بحكم التنشئة الصالحة والسمات التى تحلى بها استطاع ان يقوم بالمهام الادارية الموكلة اليه بكل فعالية واقتدار مستمدا أسباب النجاح من هذه الثقة الغالية لولاة الأمر فيه، ومن معرفة وادراك عميقين بمتطلبات المسئولية الملقاة على عاتقه، وحسن اختيار للموظفين التنفيذيين في ادارته، ودراية تامة بنفسية المواطنين واحتياجاتهم في تلك المرحلة، مازجا كل ذلك بنزعة انسانية متأصلة في ذاته شكلت كل أبعاد القيادة والجانب الادارى لديه، كما أن نشأته في بيئة عربية اسلامية صافية أكسبته تلك الفراسة والقدرة الفائقة في معرفة الرجال وكيفية التعامل معهم، وربما ساعدته هذه الفراسة في تحقيق النجاح في كل الأمور التى اضطلع بها.
وان كنا نعترف بدءا بأننا لا نستطيع في هذه العجالة ان نعدد انجازات الأمير محمد بن أحمد السديرى لأنها متشابكة مع الناس والأمكنة والظروف، الا أننا نقدم فيما يلى اشارات من هذه الانجازات ، وهى أعمال سيدونها الزمن بمداد من نور في سجل الأعمال الانسانية الخالدة والتى ما تزال تؤتى أكلها في العديد من المجالات الثقافية والاجتماعية والادارية .
ومن أهم هذه الانجازات :-
• توليه امارة الجوف وهو فوق العشرين من عمره بفليل لمدة سبع سنوات من عام 1357ﻫ الى 1363ﻫ وهى المرحلة التى كانت المملكة قد انتهت فيها من مرحلة التأسيس السياسي وبدأت في وضع دعائم الدولة الحديثة، وقد ساعد في وضع التنظيم الادارى وحل المشكلات القائمة بين القبائل في هذه المنطقة واستتباب الأمن بها وحل المشكلات المتعلقة بتوفير المراعى والمياه للمواطنين بها، وقد ألف كتابا عن الجوف سماه( الجوف – وادى النفاخ)
• توليه امارة جازان في شهر ربيع الثانى 1364ﻫ ومن أهم انجازاته في هذه الامارة تأسيسه لمشروع المياه بجازان .
• اشرافه على تنظيم المهرجان الثقافى الكبير الذى أقيم بمناسبة عودة الملك عبد العزيز طيب الله ثراه من مصر في 2/3/1364ﻫ بعد أن التقى الرئيس الأمريكى روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا ونستن تشرشل، وقد شارك في هذا المهرجان الثقافى العديد من الشعراء والأدباء والمثقفين.
• مشاركته في حل مشكلة وادى بنى عبد الله الذى تجرى مياهه في مواسم الأمطار في أرض المواسم السعودية وأراضى حرض وميدى وما بينهما من الأراضى اليمنية، وقد وقع عليه الاختيار ليرأس الجانب السعودي ، والقاضى أحمد السياغى يرأس الوفد اليمنى ، وقد استمر هذا النزاع أكثر من تسعة أعوام ، والسبب أن أن الطرف اليمنى كان يرى أن فرع وادى حرض الذى يذهب الى الأراضى السعودية (وادى عبد الله) فرع مستحدث ويجب تحويل مجراه، بينما يرى الطرف السعودى أن مجرى وادى عبد الله مجرى طبيعى ، وبفضل جهود الامير محمد بن أحمد السديرى تم التوصل الى اتفاق يضمن مصالح طرفى النزاع.
• في العام 1367 تم اختياره ممثلا للملك عبد العزيز لتقديم العزاء للامام أحمد بن يحي حميد الدين عقب الاحداث التى أودت بحياة الامام يحي حميد الدين ، واثناء مرور الأمير محمد بن أحمد السديرى الى اليمن توقف في العديد من مدن اليمن وقوبل بالترحاب والقيت العديد من القصائد تعبيرا عن اعجابهم بشخصيته وحسن علاقاته.
• في العام 1368ﻫ عين قائدا لقوات المجاهدين من أجل فلسطين للاسهام في حماية المقدسات الاسلامية ، وهى قوة مكونة من خمسة الاف متطوع قسمها الأمير محمد بن أحمد السديرى الى أربعة ألوية، الا ان هذه القوات لم تستطع المشاركة لاعلان دولة اسرائل وتقاعس العرب والقيادات الفلسطينية، ولعدم سماح الدول العربية المجاورة لفلسطين من فتح حدودها أمام هذه القوات.
• في 1/9/1369ﻫ عين محافظا لخط الأنابيب في الحدود الشمالية للمملكة، والهدف من هذا الخط هو تطوير وسائل نقل البترول الخام ، وقد اكتمل الجانب السعودى من الخط في يناير 1948م بينما تأخر اكمال الجانب الاخر للخط حتى 25/9/1950م، وقد أدى هذا الخط الى نشوء العديد من المدن أهمها مدينة عرعر التى ساهم الأمير محمد بن ا؛مد السديرى في انشائها ومدها بكافة الخدمات الضرورية كما اسهم في توطين البدو عن طريق توفير المياه والمراعى لهم.
• في 21/10/1379ﻫ (يونيو 1954م) منح وسام الاستقلال من الدرجة الأولى من قبل الملك حسين عاهل المملكة الاردنية الهاشمية.
• خلال الفترة من 1374ﻫ والى 1376ﻫ اجتاحت اليمن اضرابات داخلية، فاختير الأمير محمد بن أحمد السديرى عام 1382ﻫ مشرفا على الحدود الجنوبية بمنطقة جازان لسابق معرفته بهذه المنطقة وعلاقاته مع القبائل اليمنية فأخذ يتعامل مع هذه الأحداث في اليمن وانعكاساتها على المنطقة بكل روية ومرونة استطاعت أن تقلل من تدهور الاحداث وأن تحافظ على أمن المنطقة.
• خلال عمله مشرفا على الحدود الجنوبية قدم العديد من الخدمات منها على سبيل المثال لا الحصر: تمويل مشروع انارة مدينة ابى عريش من حسابه الخاص، تمويل حفر آبار ارتوازية في مدينة أبى عريش لتوفير المياه الصالحة للشرب لأهلها، تعبييد أول طريق حديث بين جازان وأبى عريش، مشروع سد وادى جازان الشهير الذى افتتحه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ( وزير الداخلية فى تلك الفترة) عام 1391ﻫ، حل موضوع السجناء الذين كانوا ينفون الى جزيرة فرسان لقضاء فترة العقوبة وبفضل مساهماته اتخذت التدابير اللازمة من قبل وزارة الداخلية.
• اهتم الأمير محمد بن أحمد السديرى بالعناية بالبيئة والحياة الفطرية وكان يمتلك العديد من المزارع التى عمرها بالنخيل واشجار الفاكهة المختلفة والخيول والغزلان ، وتقديرا لهذا الدور المتقدم والوعى المبكر بالحياة الفطرية فقد تبنت الدولة حماية البيئة تحت اسم ( مركز الأمير محمد بن أحمد السديرى لحماية البيئة).
• اتخذ الأمير محمد بن أحمد السديرى مادة شعره من البيئة التى عاش فيها وقد استحكمت مادة الشعر الشعبى لديه بالدرجة التى أصبح فيها من أهم شعراء هذا الفن وأوجدت أشعاره مساحة كبيرة من القراء في الوطن العربى، وقد صدر له ديوان من جزئين بعنوان (ديوان محمد بن أحمد السديرى) طبع الجزء الأول منه عام 1404ﻫ ، والثانى عام 1414ﻫ ، يضم الجزء الأول من الديوان 138 قطعة شعرية بين الملحمة الطويلة والمقطوعة التى لا تتجاوز الثلاثة ابيات، بينما يضم الجزء الثانى (79) قطعة شعرية.
• من مؤلفاته أيضا (الدمعة الحمراء ) ، و ( ابطال من الصحراء).